محمد سعيد ولد أحمد لمرابط… حين يرحل الكبار وتبقى شواهد الخير

محمد سعيد ولد أحمد لمرابط… حين يرحل الكبار وتبقى شواهد الخير
ليس كل رحيل يُقاس بغياب صاحبه، فثمة رجال حين يرحلون يتركون وراءهم فراغاً لا تملؤه الأيام، وذكريات لا تطويها السنون، وأثراً من المحبة يشهد لهم به القريب والبعيد.
بقلوب يعتصرها الألم، نودّع اليوم ابن عمنا العزيز، رجل الأعمال الفاضل محمد سعيد ولد أحمد لمرابط، الذي غادر دنيانا، تاركاً وراءه سيرة رجل لم تكن قيمته فيما امتلك، بل فيما أعطى، ولم يكن حضوره بما جمع من مال، بل بما زرع في قلوب الناس من محبة وامتنان.
عرفت الفقيد قريباً من القلب، كريماً في طبعه، سمحاً في معاملته، واسع الصدر، محباً للخير، لا يتردد في بذل ماله وجهده لقضاء حوائج الناس، ولا ينتظر من عطائه جزاءً ولا شكوراً. كان يرى في مساعدة المحتاج واجباً، وفي إدخال السرور على النفوس باباً من أبواب الخير، وفي خدمة مجتمعه مسؤولية لا يتخلى عنها.
ولعل من أجمل ما يمكن أن أرويه عن هذا الرجل أنني كنت أحرص على تعريفه بالدبلوماسيين ورجال الأعمال الأجانب، وأن أجمعه بشخصيات من جنسيات وثقافات مختلفة، فكان يترك لديهم انطباعاً إنسانياً لا تمحوه اللقاءات العابرة. وحين بلغهم خبر وفاته، لم تكن ردود أفعالهم مجرد عبارات مجاملة أو تعازٍ بروتوكولية، بل كانت مشاعر صادقة كشفت لي أن الرجل استطاع أن يعبر بأخلاقه حدود اللغة والجغرافيا.
ومن بين تلك المواقف التي ستظل محفورة في ذاكرتي، موقف رجل أعمال مصري، حين جلس معي بعد علمه بوفاة الفقيد، فغلبه التأثر وانهمرت دموعه، وقال لي بكلمات خرجت من قلب موجوع: «لم أرَ في حياتي أطيب من هذا الرجل». كانت تلك الكلمات، في بساطتها وصدقها، شهادة تختصر الكثير من سيرة الراحل، وتؤكد أن طيبة الإنسان الحقيقية لا تحتاج إلى جواز سفر كي تصل إلى قلوب الآخرين.
كما بعث إليّ رجل أعمال سعودي رسالة صوتية مؤثرة كان الفقيد قد أرسلها إليه في سياق حديثهما عن شراكة تجارية، يقول فيها إن الشراكة بينهما ستكون مبنية على الصدق والتقوى والالتزام. توقفت طويلاً عند هذه الكلمات؛ فقد كان بإمكانه أن يتحدث عن الأرباح والأرقام والمصالح، لكنه اختار أن يجعل الأخلاق أساس العلاقة، وأن يقدم الصدق والتقوى على كل اعتبار. وقد تركت تلك الرسالة أثراً عميقاً في نفس رجل الأعمال السعودي، الذي وجد فيها صورة نادرة لرجل ينظر إلى التجارة باعتبارها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون معاملة مالية.
وهنا أدركت أن ما يتركه الإنسان في نفوس الآخرين أعظم مما يتركه في خزائنه، وأن العلاقات التي تُبنى على الصدق والمروءة تبقى شاهدة على أصحابها حتى بعد الرحيل.
لم يكن محمد سعيد مجرد رجل أعمال ناجح، بل كان رجلاً يحمل في داخله معنى آخر للنجاح؛ نجاح الإنسان في أن يكون سنداً لغيره، وأن يجد المحتاج بابه مفتوحاً، وأن يجد صاحب الحاجة من يصغي إليه، وأن يشعر الناس بأن بينهم رجلاً لا يتأخر عن واجب ولا يبخل عن معروف.
ولعل أبلغ ما يعزينا اليوم أن الحديث عن الراحل لم يتوقف عند أفراد أسرته وأبناء مجتمعه، بل امتد إلى أصدقاء وشركاء من خارج الوطن، استعادوا مواقفه وكلماته وطيبته، وكأنهم يقولون لنا إن الإنسان قد يغادر المكان، لكنه لا يغادر القلوب التي أحبته.
يا ابن عمي العزيز، رحلت جسداً، لكنك تركت لنا إرثاً لا تقاس قيمته بالمال: إرث الكرم، ونبل المعاملة، وطيب الذكر، ومحبة الناس. وسيظل صوت أولئك الذين عرفوك، ودموع من تأثروا برحيلك، ورسائل من تعاملوا معك، شواهد على أنك كنت أكبر من صفة رجل أعمال؛ كنت إنساناً ترك في الآخرين أثراً جميلاً.
رحمك الله رحمة واسعة، وغفر لك، وجعل كل ما قدمته من خير وإحسان وصدقات في ميزان حسناتك، وجعل ما أطعمته من جائع، وما أعنته من محتاج، وما أدخلته من فرح على قلب إنسان، نوراً لك في قبرك ورفعة لدرجاتك.
عظّم الله أجر أهلك وذويك ومحبيك، وألهمنا جميعاً الصبر والسلوان.
نم قرير العين يا ابن العم، فما أجمل أن يرحل الإنسان وتبقى سيرته حية في أفواه الناس، وما أعظم أن تشهد له القلوب قبل الكلمات.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
السيد ولد محمودي