عام

أنواذيبو 1970.. يوم اجتمع المختار ولد داداه والحسن الثاني وبومدين على أبواب الصحراء

أنواذيبو 1970.. يوم اجتمع المختار ولد داداه والحسن الثاني وبومدين على أبواب الصحراء

[بقلم : عبد الباقي العربي باحث مهتم بتاريخ أنواذيبو ]

حين نتحدث اليوم عن أنواذيبو، فإننا لا نتحدث فقط عن مدينة اقتصادية وصناعية وميناء مهم على المحيط الأطلسي، وإنما عن مدينة صنعت لنفسها مكاناً في تاريخ موريتانيا والمنطقة، وكانت في محطات كثيرة من القرن العشرين أقرب إلى أن تكون عاصمة سياسية للأحداث الإقليمية الكبرى.
ومن بين أكثر تلك المحطات دلالة قمة أنواذيبو الثلاثية التي جمعت، يوم 14 سبتمبر 1970، الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه، والرئيس الجزائري هواري بومدين، وملك المغرب الحسن الثاني.
ولم يكن اختيار أنواذيبو لاستضافة هذا اللقاء التاريخي اختياراً عابراً أو بروتوكولياً؛ فالمدينة كانت في ذلك الوقت تقع في موقع جغرافي بالغ الحساسية، على مقربة من الحدود الجنوبية لما كان يعرف آنذاك بـالصحراء الإسبانية، ولذلك اكتسب الاجتماع فيها دلالة سياسية وجغرافية واضحة.
وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن القادة الثلاثة اجتمعوا في أنواذيبو يوم 14 سبتمبر 1970 للتشاور حول القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الوضع في الصحراء الخاضعة للإدارة الإسبانية. كما اتفقوا على تكثيف التعاون من أجل تسريع إنهاء الاستعمار، وإنشاء لجنة ثلاثية للتنسيق لمتابعة المسار السياسي والدبلوماسي للقضية.

لماذا أنواذيبو؟

لفهم أهمية اختيار المدينة، علينا أن نعود إلى خريطة المنطقة في تلك الفترة.
كانت أنواذيبو، أو بورت إتيان بالاسم الذي حملته خلال الحقبة الاستعمارية، تقع في أقصى شمال موريتانيا، بالقرب من المجال الذي كانت تسيطر عليه إسبانيا في الصحراء.
ولهذا لم يكن اختيارها محايداً.
فصحيفة لوموند الفرنسية، في عددها الصادر يوم 12 سبتمبر 1970، أي قبل القمة بيومين، تحدثت صراحة عن أن القادة الثلاثة سيجتمعون في أنواذيبو، ووصفت اختيار المكان بأنه رمزي بسبب قرب المدينة من الحدود الجنوبية لريو دي أورو، مؤكدة أن موضوع الاجتماع سيكون مستقبل الصحراء الإسبانية.
وهنا تظهر أهمية أنواذيبو في تلك المرحلة:
كانت المدينة بوابة موريتانيا الشمالية نحو المجال الصحراوي الأطلسي، وموقعها يمنح أي اجتماع سياسي فيها دلالة تتجاوز حدود المدينة نفسها.
لقد كانت أنواذيبو آنذاك رقماً صعباً في المعادلة الجغرافية والسياسية للمنطقة.

ثلاثة قادة.. وقضية واحدة

جاءت قمة أنواذيبو بعد سلسلة من الاتصالات واللقاءات بين الدول الثلاث.
ففي 27 مايو 1970 التقى الحسن الثاني وهواري بومدين في تلمسان، ثم جاءت لقاءات واتصالات أخرى، من بينها زيارة المختار ولد داداه إلى المغرب.
وبعد أشهر قليلة، اجتمع القادة الثلاثة في أنواذيبو.
وتكشف الوثيقة الأممية أن القمة ناقشت بصورة أساسية مستقبل المنطقة، وأن القادة الثلاثة قرروا تكثيف التعاون من أجل تسريع إنهاء الاستعمار الإسباني للصحراء، مع الالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
كما قرروا إنشاء لجنة ثلاثية للتنسيق تتابع بصورة مستمرة عملية إنهاء الاستعمار على المستويين السياسي والدبلوماسي.
واللافت أن البيان المشترك تحدث عن وجود تطابق تام في وجهات النظر بين القادة الثلاثة في ختام أعمالهم.
وهكذا تحولت أنواذيبو، في ذلك اليوم، إلى طاولة مغاربية جمعت ثلاث شخصيات كانت تمثل مراكز القرار الرئيسية في المنطقة.

مبنى صغير.. وحدث كبير

ومن المفارقات التاريخية اللافتة أن هذا الحدث الذي جمع ثلاثة قادة من أبرز قادة المغرب العربي لم يحتضنه قصر رئاسي فخم أو مركز مؤتمرات حديث.
بل تشير المعلومات التاريخية المتداولة في أرشيف البعثة الكاثوليكية إلى أن اللقاء احتضنه المبنى الذي يعرف اليوم بـروضة أطفال البعثة الكاثوليكية في أنواذيبو.

والمبنى نفسه له قصة تسبق القمة بسنوات.

ففي سنة 1959 استقرت راهبات القديس يوسف للظهور في أنواذيبو، وفي يناير 1960 افتتحن روضة أطفال المدينة، التي توصف بأنها كانت من أوائل مؤسسات التعليم قبل المدرسي في المدينة. بدأت بعدد محدود من الأطفال، ثم ارتفع العدد بصورة كبيرة خلال السنة الدراسية.
وهكذا أصبح هذا المبنى، الذي كان فضاءً تربوياً للأطفال، شاهداً على واحدة من أهم اللقاءات السياسية التي عرفتها أنواذيبو.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة:

المكان الذي استقبل أطفال أنواذيبو في سنواته الأولى، استقبل بعد عقد من الزمن ثلاثة من كبار قادة المغرب العربي.

إن صحت نسبة انعقاد القمة إلى هذا المبنى وفق أرشيف البعثة، فإن المحافظة عليه ليست مجرد محافظة على مبنى قديم، وإنما هي محافظة على ذاكرة سياسية ودبلوماسية للمدينة وللدولة الموريتانية والمنطقة بأسرها.
إن الحديث المتجدد اليوم عن لكويرة وموقعها الجغرافي والتاريخي يعيدنا بالضرورة إلى أنواذيبو.
فالمكانان جزء من مجال جغرافي واحد شديد الحساسية، ارتبط تاريخياً بالحركة السكانية والتجارية والبحرية والسياسية، وبالتداخل بين موريتانيا والصحراء الأطلسية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، كانت أنواذيبو أقرب المدن الموريتانية الكبرى إلى الحدود مع الصحراء الإسبانية، ولذلك كانت التطورات التي تحدث في الصحراء تصل إليها قبل غيرها، وكانت المدينة نفسها حاضرة في الحسابات السياسية والاستراتيجية للقوى الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا اختار القادة الثلاثة أنواذيبو لعقد اجتماعهم.
فالقمة لم تكن مجرد اجتماع بين ثلاث دول؛ كانت رسالة سياسية في مكان له دلالته.
ثلاثة قادة اجتمعوا في مدينة موريتانية تقع على أبواب المجال الصحراوي، لبحث مستقبل أرض كانت إسبانيا لا تزال تسيطر عليها.
لم تتوقف المشاورات الثلاثية عند قمة 1970.
فقد استمرت الاتصالات واللقاءات بين موريتانيا والمغرب والجزائر حول القضية الصحراوية، وصولاً إلى لقاءات لاحقة، من بينها القمة الثلاثية في أغادير سنة 1973.
لكن الظروف الإقليمية ستتغير بصورة كبيرة خلال السنوات التالية، وستتطور مواقف الدول الثلاث، إلى أن دخلت القضية مرحلة جديدة تماماً مع نهاية الوجود الإسباني في الصحراء سنة 1975.
ولهذا فإن قراءة قمة أنواذيبو بأثر رجعي تكشف أنها كانت واحدة من المحطات التي سبقت التحولات الكبرى التي ستعرفها المنطقة.
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على تلك القمة، ربما لا يعرف كثير من أبناء أنواذيبو أن مبنىً عادياً في مدينتهم احتضن اجتماعاً جمع المختار ولد داداه، وهواري بومدين، والحسن الثاني.
وربما لا يعرف كثيرون أن مدينتهم كانت في سبتمبر 1970 محط أنظار العواصم المغاربية والصحافة الدولية.
إن هذه التفاصيل ليست مجرد ذكريات من الماضي.
ومن هنا تأتي أهمية جمع صور المدينة القديمة، ووثائقها، ومبانيها، وشهادات سكانها، وتحديد المواقع التي ارتبطت بالأحداث الكبرى.

فكل حجر قديم في أنواذيبو قد يحمل قصة.

وكل مبنى قديم قد يكون شاهداً على مرحلة من تاريخ البلاد.

والروضة الكاثوليكية، إذا ما أكدت الوثائق بصورة قاطعة أنها كانت بالفعل مكان انعقاد القمة، تستحق أن تُعرّف للأجيال باعتبارها أحد المواقع التاريخية المرتبطة بتاريخ موريتانيا
إن استحضار قمة 14 سبتمبر 1970 اليوم، بالتزامن مع النقاش المتجدد حول لكويرة والحدود والمجال الجغرافي للصحراء الأطلسية، يذكرنا بحقيقة أساسية:

أنواذيبو لم تكن مدينة هامشية في تاريخ المنطقة، بل كانت في لحظات حاسمة جزءاً من قلب الأحداث.

ففيها اجتمع المختار ولد داداه بالحسن الثاني وهواري بومدين.

وفيها نوقش مستقبل الصحراء الإسبانية.

ومنها خرج بيان ثلاثي حمل قضية الصحراء إلى مستوى جديد من التنسيق المغاربي.
وفي أحد مبانيها، الذي كان في الأصل فضاءً للأطفال، اجتمع ثلاثة من أبرز قادة المغرب العربي في لحظة كانت المنطقة تقف فيها على أعتاب تحولات تاريخية كبرى.
ولذلك، حين نتحدث اليوم عن أنواذيبو، لا ينبغي أن نتحدث عنها باعتبارها مدينة الميناء والحديد والصيد فقط.
بل ينبغي أن نتذكر أنها أيضاً مدينة التاريخ والدبلوماسية والحدود والذاكرة.
مدينة كانت، وما زالت، رقماً صعباً في تاريخ موريتانيا وموقعها في محيطها المغاربي والأطلسي.

أنواذيبو ترحب بالجميع، لكنها أيضاً تحفظ ذاكرة الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى