عام
من روايتي العزلة.. ازلية سرمدية لا تنتهي/ خالد الهواري
نعم يا امي، انا لم اصغي اليك بما فيه الكفاية، ربما كان علي ان اسألك الكثير من الاسئلة قبل ان انخرط في هذا الزيف الذي يملآ العالم، ولكن كلماتك الطيبة ستظل ترافقني في كل مرحلة اخطوها في درب حياتي، وكأنك “يا يوسف” ايها القديس الهارب من ظلمات البئر لم تموت بعد، تتجسد علي اسطح البيوت في نظرة انكسار البنات وهن يعلقن الملابس علي حبل الغسيل فوق اسطح البيوت في الاحياء العشوائية، وزحام الجوع امام عربات الفول المدمس، وعنابر المستشفيات الحكومية، ورائحة الاجساد التي تحترق في القطارات، ولازلت وانا مصلوبا على مقاعد محطة القطار الباردة اقتفي اثر عابر سبيل يلقي ما تبقي من سيجارته، في سجن العزيز المسحور بممالك تجري من تحتها الانهار تراودك صراعات نفسك في وحشية زنزانة قسوة من قالت: “هيئت لك” فهممت بها قبل ان يهبط عليك ناموس الحق..
خرجت العرافة التي كتبت عليها الالهة التي نصفها من الثلج والنار، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفئ النار ان تظل في الاحياء لا تموت قبل ان تعثر على لغز اسرار الحجر الاصفر في لون طبق العدس العطن، مثل رائحة عرق المكومين الذين كانوا يتشاركون معك الهم في زنزانة في عالم اخر، خرجت في مشهد مهيب بعد ان ودعتها عجائز العشيرة، ونثروا على شعرها الماء من البئر الذي لم تشرق عليه او تغيب عنه الشمس، كانت تبحث في كل مدينة، في الاسواق، سوقا سوقا، وفي البساتين بستانا بستانا، وفي العلامات علامة علامة، عن المخلص من الحياة التي كتبت عليها ازلية سرمدية لا تنتهي، في ازمنة لم تعد تعرف الخصب، فجفت ضرعيها في زمن الفاقة التي حلت مع قدوم اول ايام موسم التزاوج بين المطر السخي والارض المبتذلة، الصراخ لا يفيدك ايها الهارب من رحمة مولانا، توزعون المنشورات، وتحرضون الناس على النظام يا اولاد الحرام، ستموت هنا وستدفن هنا، ولن يسمع احدا عن سيرتك، والناس التي عاشت مع بعضها البعض في ازمنة لاتعد ولا تحصي..
